Overblog
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog

ضرورة إرساء حوار عميق وشامل لإعادة النظر في أنموذج التنمية

حاوره: صالح سويسي

أكد الدكتور حسين الديماسي الخبير الإقتصادي الدولي في حديث خص به «الصحافة الإقتصادية» أنّ أمام الحكومة المؤقتة عددا من الأولويّات التي يجب أنْ توليها اهتماما بالغا لأنها ستكون رافدا لنجاح الثورة ومواصلة الإصلاح.
وقال أنّ هذه الحكومة المؤقتة قامت بعدد من الهفوات التي انجرت عن ارتجال على مستوى أخذ القرار. كما تحدث عن منظومات «الإصلاح الهيكلي» والذي اعتبره كارثة كبرى أسهمت في تردّي الوضع الاقتصادي في بلادنا محددا أهم أسس هذا النظام المعتمد على عوامل ساهمت فيما وصلت إليه البلاد من هشاشة على مستوى التشغيل وتردي وضع الضمان الإجتماعي.  وتطرق السيد الحبيب الديماسي إلى مسائل أخرى هامّة جدا على مستوى القطاع الفلاحي المتضرر الأكبر في رأيه والذي ساهم في تفقير الشعب التونسي. وقدم بعض الحلول الفورية منبّها الى ضرورة الالتفاف حول الثورة ومحاولة امتصاص غضب الشباب حتى لا نعود لما كنّا عليه قبل 14 جانفي وربما أسوأ من ذلك.
أمام ما يشهده الوضع الاقتصادي في تونس، تتحدثون كثيرا عمّا خلفه نظام الإصلاح الهيكلي من كوارث على الاقتصاد التونسي خاصة خلال الربع قرن الأخير من استقلال تونس، كيف ذلك؟
يمكننا القول أن هذا البرنامج كان له انعكاسات خطيرة جدا يمكن تلخيصها في ثلاث نقاط هامة، لأن الثورة لم تأت من فراغ بل كانت نتيجة حتميّة لعدة أسباب تراكمت على مر السنين، وأنا أشبهها بالبارود الذي تراكم وبقي ينتظر الشرارة والتي تجلّت في كثرة الظلم والتهميش والاحتقار والذي كانت وراء الانفجار الذي حدث في تونس وفي مصر أيضا والذي سيتواصل في باقي الدول العربية.
أول الانعكاسات كان هو هشاشة التشغيل، حيث كانت القاعدة في التشغيل هو العمل القار بأجور محترمة نتيجة تفاوض مسترسل منتظم ومعقول يستند إلى مؤشرات منطقية وموضوعية. لكن بداية من منتصف التسعينات بشكل  خاص فتح الباب على مصراعيه على أنماط بائسة وتعيسة في ميدان التشغيل على إثر التنقيحات في مجلة التشغيل التونسية والتي دخلت حيّز التنفيذ بداية من سنة 1996، وهذا شرّع أنماطا ردئية للغاية من التشغيل منها التشغيل بالعقود ذات المدد المحدودة، لكنّ أسوأها كان آلية التشغيل بالمناولة لأنه أخذ منعطفا خطيرا للغاية وأصبح ما يشبه الاستعباد، أجور أكثر من رديئة وعدم توفر ضمانات اجتماعية وهذا لم يؤثر بشكل مباشر على العاملين والعاملات فحسب بل أثر على مستوى العيش بشكل عام، فمثلا آخر التقارير تؤكد أن ما يفوق 50 بالمائة من العاملين في قطاع السياحة  يخضعون لأنماط تعيسة ورديئة للتشغيل نفس الشيء تقريبا في مجال الخياطة. وكانت النتيجة الطبيعية تراجع القدرة الشرائية لدى الأجراء، وهذا كان له انعكاس خطير على الاقتصاد بشكل عام لأن الاقتصاد هو عرض وطلب، وأصبحنا ننتج أكثر مما نستهلك وهذا ما فتح الباب أمام الهزّات والأزمات الاقتصادية والتي لم تظهر حدتها إلاّ خلال العشرية الأخيرة لأن جزءا كبيرا من الإنتاج كان موجها للتصدير، لكن مع اندلاع الأزمة الاقتصادية في العالم بما في ذلك الاتحاد الأوروبي الذي هو أكبر حريف لتونس تراجع التصدير وتراجع الطلب الداخلي وأصابنا الركود. 
وهذا أثر بصورة رهيبة على التوازنات المالية لصناديق الضمان الاجتماعي لأنه عندما يتراجع مستوى الأجور (هذا في حالة وجود الخصم)، حيث أن قاعدة الخصم تتقلص تدريجيا وبطبيعة الحال الموارد تنقص، مع تزايد النفقات وهذا ما أحدث وضعية كارثية لهذه الصناديق وخاصة صناديق التقاعد والتي تشكو وضعية قاتلة، وللأسف نحن الآن أمام استنزاف هذه الصناديق لكل مدخراتها في القريب جدا إذا تواصل الوضع على ما هو عليه.
ولكن يبدو أن تأثير هذا النظام على القطاع الفلاحي كان أكبر وأكثر خطورة؟
نعم هذا بدا أكثر وضوحا على القطاع الفلاحي، حيث أن الانفتاح الذي كان أحيانا مقننا وأحيانا أخرى عشوائيا تزامن مع انسحاب الدولة من الاستثمار في بعض القطاعات بشكل مباشر، وهذا لا يقلّ خطورة أيضا، فمثلا تأتي الدولة لبعض الجهات التي انطلقت منها الثورة، لتحرر أسعار مستلزمات الإنتاج في قطاع الفلاحة كالبذور والأسمدة والأعلاف ومياه الريّ وفي المقابل تجمد أسعار أهم المنتوجات كالحبوب مثلا الذي يبقى لخمس سنوات متواصلة لا يتغيّر كذلك الحليب أو الطماطم المحولة، إذن فإن ارتفاع أسعار المنتوجات بطيء للغاية مقارنة بأسعار مستلزمات الإنتاج ما أثر بشكل كبير جدا على أهمّ مصدر دخل للعائلات في تلك المناطق الداخلية أصابه تراجع رهيب للغاية وهو شكل من أشكال التفقير. أضف إلى ذلك الانفتاح العشوائي على الخارج أضر أيّما ضرر برافد أساسي لتلك العائلات من حيث المدخول، وهو الصناعات التقليدية حيث كنّا نجد في كل عائلة على الأقل فرد أو أكثر يعمل في صناعة تقليدية مما يخفف وطأة تقلص موارد الفلاحة، هذا الانفتاح أعطى ضربة قاضية لتلك العائلات.
وهذا ظهر بقوة في الحاويات الضخمة التي يتمّ جلبها من الخارج واستحوذ عليها نفر قليل وأصبح يغرق الأسواق التونسية بكميّات مهولة وبأسعار بخسة وبنوعيات رديئة، وهذا طبعا يندرج دائما في برنامج الإصلاح الهيكلي لأنه بالأساس يدعو من ناحية إلى الانفتاح ومن ناحية أخرى إلى انسحاب الدولة.
ألا ترون أنّ المنظومة التربويّة في تونس قد ساهمت في هذا الوضع الكارثي؟
إذن هذه العناصر التي ذكرناها وهي هشاشة التشغيل وتراجع الموارد الأساسية للعائلات والقضاء على المورد الإضافي للعائلات وهي الصناعات التقليدية كلّها ساهمت بشكل كبير جدا في تردّي الوضع الاقتصادي عموما وخاصة في المناطق الداخلية، أضف إلى ذلك عنصرا هاما جدا وهي الهفوات الرهيبة التي أصابت تونس في السياسة التربوية، لأنه إلى عهد قريب كان بعض أبناء العائلات الفقيرة يكملون دراستهم الجامعية ويصبحون سندا لعائلاتهم من خلال العمل ، لكنّ ما حدث خلال الأعوام الأخيرة أن خريجي الجامعات أصبحوا يمثلون ثقلا على عائلاتهم جراء البطالة وبذلك انقلبت الأمور تماما، وهذا في اعتقادي النقطة التي أفاضت الكأس واكتمل البارود الذي يترقب الشرارة وجاءت مع 14 جانفي، وهي الظلم والاحتقار والفساد والتهميش التي اجتمعت لتصنع هذا الانفجار.
يبدو أننا في تونس وأمام عدم وجود نمط تنموي ناجح كان يمكن استنباطه من أنموذج غربي مثلا، أسهم في ما وصل إليه اقتصادنا؟
تونس في الواقع مرت بنظام اقتصادي هجين، إذ لم يكن نظاما رأسماليا بالكامل يخضع في المطلق لقانون السوق، ولم يكن أيضا نظاما رأسماليا معدلا بحكمة وإنصاف من طرف الدولة، وما زاد الطين بلّة هو بروز فئة قليلة تشبه المافيا والتي زادت في ارتباك قوانين التعامل الاقتصادي، هذه الفئة أحدثت بلبلة اقتصادية لا تطاق أدخلت لتونس قانونها الخاص والمتمثّل في العنف، حيث تمّ استبدال وحشية السوق بالعنف (العنف الجسدي أساسا) وأصبح قانونهم هو السائد وهو أشبه بالعصور الإقطاعية وخرجوا بنا من قوانين الاقتصاد الرأسمالي. 
إذن خلال الربع قرن الماضي عرفنا لخبطة لا تطاق في تونس، من ناحية النواميس الاقتصادية وبالتالي نموذج التنمية الاقتصادية، ومن أكبر مآسي هذه الفترة أن الدولة أضاعت جزءا كبيرا جدا مما قامت به في الربع قرن الأول للاستقلال -وإن كان بهفوات- ولكن الدولة لعبت دورا أساسيا في تعديل الاقتصاد وبالتالي تعديل المجتمع، مثلا الدولة التونسية جمّدت من الستينات وحتى أواسط الثمانينات مداخيل الفلاحين وبالمقابل دعمت بقدر كبير بمستلزمات الإنتاج. أمّا ما صار في الربع الثاني كان عكس ذلك تماما أي أنّ الدولة التونسية حيث انقلب أنموذج التنمية تماما من رأسمالية معدلة إلى نمط هجين لم نفهم كنهه وما زاد كارثية المشهد هو بروز الفئة التي تحدثنا عنها سابقا.
وكيف يمكن في رأيكم الخروج من الوضع الذي وصل إليه اقتصاد البلاد؟ ما هي أفضل السبل من وجهة نظركم؟
مبدئيا، يجب أن يتمّ إرساء حوار عميق جدا لإعادة النظر في أنموذج التنمية الذي اعتمدته الدولة طوال ربع قرن كامل برمته من جميع النواحي، لذلك أطالب بحوار عميق وصادق وصريح ورصين بدون تعجّل، يشرك كل الأطراف من أجل ذلك. وما ذكرته سابقا ما هو إلاّ نماذج لسياسة اقتصادية كاملة أثبتت فشلا، وهذا سيكون أكبر مكسب نحصل عليه، وإلاّ فإننا نخشى أن نعود لما كنّا عليه، لأن الأسس التي قامت عليها الثورة مازالت قائمة ويمكن أن تتواصل في أي لحظة ما لم نعد حساباتنا لأن فشل المنظومة التربوية وفشل الضمان الاجتماعي في تونس سيخلق فوضى أجيال، فالبعض يفكر في صندوق بطالة ولم نتساءل من سيموّل هذا الصندوق؟ الأمر هنا لا يحتمل. لذلك لابد من حوار عميق حتى لا نعود لما كنّا عليه أو أسوأ منه.
وما هي حسب رأيكم الأولويات المطلوبة الآن من الحكومة حتى نتقدم خطوة نحو الأمام؟
في اعتقادي أمام الحكومة المؤقتة اليوم عدد من الأولويات التي يجب أن تكون في مقدمة الاهتمامات، ولعلّ أهمّها أولوية الآن هو الأمن، البلاد مازالت تفتقد للأمن التام حتى الآن وهي ظاهرة غريبة، ونسأل أين الأمن؟ ولو كانت الدولة تجد صعوبات لابد أن تخرج للناس وتوضح درءا للتساؤل والتأويل، لأننا أحببنا أم كرهنا أكثر ما يمكن أن يزعج المواطن ويجعله ينفر من العمل والتفكير هو انعدام الأمن عندما تكون مهدد في حياتك في أبنائك في بيتك في شغلك..
الأولوية الثانية والتي لا تقلّ شأنا عن الأمن، هي امتصاص غضب الأعداد الكبيرة من العاطلين وخاصة أصحاب الشهادات العليا، لنا الآن ما يزيد عن 200 ألف، أنا لا اطلب من الحكومة أن تحل مشكلة البطالة في وقت قياسي، ولكن لابد من التفكير في ميكانيزمات وطرق لامتصاص جزء من هذا الغضب على الأقل، لأن مطالب الشباب مشروعة، درس وتحصل على شهادة لذا من حقه أن يعمل. مع العلم أن المشكل عميق جدا وفيه حديث يطول ولكن يمكن التطرق إليه فيما بعد ولكنّ الآن لابد من مبادرات سريعة تقوم بها الدولة في هذا الشأن حتى لا تنفجر الأمور مرة أخرى.
الأولوية الثالثة، هي البعد عن الارتجال، لأن ما لاحظته شخصيا خلال الأيام الماضية كثرة الارتجال في اتخاذ القرارات، بمعنى أن الحكومة المؤقتة اتخذت عددا من الإجراءات التي عوض أن تسهم في التقدم صنعت العكس تماما وأحدثت بلبلة في صفوف الشعب، مثلما  حدث ويحدث في تسمية الولاّة مثلا.
نقطة أخرى وأولوية أعتبرها هامّة أيضا وهي الإعلام، حيث لاحظت خلال الفترة الماضية هو التركيز أكثر على الإشاعات المغرضة التي تحدث البلبلة والتشويش لدى الناس وابتعدت عن الحديث عن جرائم القتل والحرق والتخريب وهو ما قاده المتربصون بالثورة. وفي رأيي لابد أن تقوم الحكومة المؤقتة بتأسيس خليّة قارة مثلا لجمع تلك الإشاعات والأخبار ومحاولة تبويبها بين صحيح وخاطئ وتقوم يوميا بإعلام الشعب من خلال نشر تقرير يوميّ يبيّن الغثّ من السمين، لأن الإشاعات التي هي في زمن الحروب والثورات سلاح خطير وهو ما يؤثر بشكل سيء جدا على السير الطبيعي للحياة. أنا أطلب من أعضاء الحكومة الخروج للناس والحديث إليهم بشكل متواصل وليس مرة في الأسبوع تخرج على الناس بتقرير سريع عن تحركات الحكومة خلال أسبوع كامل، هذا لا يكفي والوضع بهذا الشكل لا يطاق، يجب أن يخرجوا للناس وأن يتحدثوا إليهم ويسمعوهم. وبالنسبة للجان التي تمّ تعيينها للتحقيق يجب أن تكون هي أيضا واضحة مع الشعب وأن تعلمه بكل جديد حتى لا تدخل الأمور في باب التأويل والإشاعات. إنها الثورة ولذا يجب أن نقطع تماما مع أساليب النظام السابق في التعاطي مع المعلومة من تعويم وتعتيم وتهميش. 
قبل أن نختم حوارنا، هل تعود للحكومة لو اقترحوا عليك حقيبة وزارية من جديد؟
بالنسبة لي مصلحة بلادي تتجاوز مئات المرات مجرد حقيبة. ما يهمّني ليس الحقيبة، ولكن لو كانت وسيلة لأساهم في نموّ البلاد وجعلها في منأى عن الهزّات والكوارث، لذلك فالحقيبة لا تمثل هاجسا بالنسبة لي هاجسي الأساسي هو بلادي ومستقبلها، ثمّ إنّ الإنسان الصادق يمكن أن يفيد بلاده من موقع بدون أن يكون طرفا في حكومة مثلا،  أنا أرى أنه يمكنني أن أخدم بلادي أكثر بدون أن أكون حاملا لحقيبة لأنها يمكن أن تكون عائقا من حيث الالتزامات الإدارية ولكن بهذه الطريقة يمكنني التحرك بأكثر أريحية.

المصدر / الصحافة

Tag(s) : #articles de presse
Partager cet article
Repost0
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :