Overblog
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog

Tunisie.gif

إنها سابقة تاريخية بامتياز، فلأول مرة في التاريخ يلتقي تونسيون من مشارب مختلفة من أجل التفكير في مشروع دستور في إطار مبادرة مواطنية مستقلة شعارها "لنكتب دستورنا" هدفها القطع مع ثقافة التواكل و التقاعس التي نخرت روح المشاركة بين أفراده و عودتهم على انتظار أن يأتي إليهم التغييرعوض أن يذهبوا إليه بأنفسهم و وضع حجر الأساس لثقافة جديدة يكون فيها المواطن فاعلا في الشأن العام و مشاركا فيه لا يكتفي بالاحتجاج بل يمارس حقه في الاقتراح الذي هو أسمى أشكال الاحتجاج. إن من يسير في الشارع التونسي اليوم، و يتحدث مع جيرانه و أصدقائه و زملائه في العمل، و مع سائق التاكسي، وعطار الحومة، لا يسمع إلا أشياء من قبيل "البلاد داخلة في حيط"، و "زعمة تتحسن الأمور؟" و "الحكومة خانت مطالب الثورة" و غيرها من المقولات التي تعترضنا في كل مكان و على عديد الألسنة، و هي مقولات و لئن كانت مشروعة فهي تحيلنا على مدى استقالة الوعي الجماعي من حقل القرار السياسي حيث يعتقد الكثيرون خطأ أن "السياسة للسياسيين" و أن أي تحسن للأمور لا يمكن أن يأتي إلا منهم. و مثل هذا الاعتقاد خاطئ لسببين: الأول هو أن السياسة هي فن تنظيم الشأن العام، و بالتالي لا يمكن أن يكون الحديث في الشأن العام و أخذ القرار فيه اقتراحا و ممارسة فضاء خاصا بمحترفي السياسة و المهرجانات الخطابية[1]. و الثاني هو أن المواطن هو أول معني بالقرارات التي تخصه و ليس معقولا أن يستقيل من دوره في مراقبتها و المشاركة في اتخاذها لأن ذلك يعطي لأصحاب المسؤولية السياسية الشعور بأن لهم الحق في فعل ما يشاؤون ما داموا بعيدين عن الرقابة الشعبية. إن السلطة ملك الشعب يمارسها على الوجه الذي يراه صالحا و يراقب من يفوض له ممارسة البعض منها عن طريق الانتخاب و يبدي رأيه في طريقة تسييره للشأن العام و ينتقده و يعتب عليه و يرده إلى صوابه إذا ما أفقده بريق السلطة عقله، و كم هم كثيرون من يفقدون عقولهم عندما يجلسون على الكراسي... أن يكون المواطنون أصحاب المبادرة، أن لا يبقوا في انتظار تغيير في كثير من الأحيان لا يأتي بل يكونوا هم أنفسهم التغيير الذي يريدون أن يروه في العالم على حد قول المهاتما غاندي، تلك هي المبادئ التي يجب أن تؤسس عليها الجمهورية التي نعمل اليوم على تشييدها. صحيح أن الطريق مازالت طويلة، و أن أصحاب النوايا السيئة كثيرون، و أن المنقلبين على التضحيات مازالوا يشغلون مراكز قرار حساسة. و لكن ذلك لا يمكن في أي حال من الأحوال أن يكون مبررا لتواصل الاستقالة عن الشأن العام و ترك الذين لا يستحقون ثقتنا يرتعون فيه. إنها فرصتنا من أجل استعادة حقنا في المشاركة، حقنا في المواطنة، حقنا في التواجد جنبا إلى جنب مهما كانت اختلافاتنا و مهما كانت تصوراتنا، حقنا في التعايش تحت سقف جمهوري جديد، يسمح لنا بالالتقاء مثل أفراد العائلة الواحدة حول طاولة الحوار، في نفس الوقت الذي تكون لكل منا فيه غرفته الخاصة يجعل فيها من اختلافه أمرا واقعا و معيشا يوميا. و نحن نحث اليوم الخطى على طريق هذا البناء، ندرك أن نجاحه لا يمكن أن يتم إلا بتخطيط جيد للأسس و القواعد، حتى لا ينهار علينا سقف شرعية السلطة مثلما انهار يوم 14 جانفي. و هي مرحلة تتطلب منا وضع اختلافاتنا الايديولوجية العميقة جانبا من أجل التوافق فقط على الإطار الذي سيسمح لنا مستقبلا بالتعبير عنها دون خوف و دون إرهاب دولة و بكل حرية، من أجل الكف عن الحديث في المسائل التي تفرق و لا تجمع، من أجل أن نأخذ جميعا مصيرنا بين أيدينا و نعلن أنفسنا أسيادا عليه، من أجل الدعوة إلى النقاش و التحاور حول كل المواضيع المتعلقة بالدستور، لنكتب دستورنا.

Tag(s) : #politique
Partager cet article
Repost0
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :