ضمت القائمة الجديدة التي أعدتها مجلة "فوربس" حول أغنياء منطقة الشرق الأوسط، 20 ثريا عربيا بلغت حجم ثرواتهم الإجمالية 123 مليار دولار حتى شهر آذار/مارس الماضي.
تصدر الملياردير السعودي الأمير الوليد بن طلال، رئيس مجلس إدارة شركة المملكة القابضة قائمة هؤلاء الأثرياء بثروة بلغت 20.3 مليار دولار، واحتل رجل الأعمال الكويتي، ناصر الخرافى وعائلته المركز الثاني بثروة تساوى 11.5 مليار دولار.
وحل في المرتبة الثالثة رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس وبلغت ثروته 10 مليارات دولار.
وتمركز أثرياء المنطقة العشرون في ستة بلدان، وجمعوا ثروتهم من تسع صناعات، وبلغت ثروتهم 123 مليار دولار في مارس/آذار لهذا العام، وزاد صافى ثروتهم عن العام الماضي بواقع 10%. ويمثل إجمالي صافى ثروتهم 64% من الثروة الإجمالية لأثرياء المنطقة الذين يبلغ عددهم 65 مليارديرا.
ومن اللافت، أن الوحيد ضمن القائمة وهو محمد العامودى الذي صنع ثروته من النفط، فى حين أن البقية استفادوا من الأموال المتدفقة في المنطقة بسبب ارتفاع أسعار النفط.
وهذه الحقيقة واضحة بشكل خاص في السعودية التي تعتبر موطنا لـ25% من احتياطي النفط في العالم، وتضم سبعة أثرياء في القائمة.
وعادة ما تتبع إصدار قائمة "فوربس" أسئلة مهمة فى الساحة العربية: أين تذهب أموال العرب، وفيم يتم استثمارها وكيف تنعكس على تطوير الاقتصاديات العربية؟
وفى الوقت الذي تسعى فيه الدول العربية إلى جذب الاستثمارات الأجنبية لتدعيم اقتصادياتها من خلال إمضاء اتفاقيات شراكة مع دول وتكتلات غربية،وفى الوقت الذي تتجاوز فيه ديون الدول العربية 560 مليار دولار ما بين خارجية وداخلية نجد أن الاستثمارات العربية فى الخارج تفوق التريليوندولار وبشكل تصاعدي.
لماذا هاجرت هذه الأموال؟ وما مستقبلها ؟ وهل ستعود مرة أخرى أم ستظل حبيسة في بلاد الغربة؟
هذه الأسئلة تجد مشروعيتها وإلحاحيتها من التداعيات التي خلفتها أحداث سبتمبر الإرهابية، وقد سادت تخوفات من وضع اليد على الكثير من هذه الاستثمارات وتجميدها في سياق الحرب المحمومة على "الإرهاب"، هذا فضلا عن تحولها إلى ثقل مالي في اقتصاديات الغرب ما يجعل من المستحيل أن يتنازل عنها أو يساعد في عودتها..
ليس هناك أرقام أو إحصائيات دقيقة حول الأموال العربية المهاجرة؛ ولكن هناك بحوث اقتصادية عربية تقدم أرقاما تقريبية تقول إن حجم هذه الأموال يتجاوز تريليون دولار بقليل، فيما تقدر هيئات أخرى حجم الأموال الخليجية المهاجرة في الخارج فقط بنحو "1.4" تريليون دولار، بينها "750" ملياردولار سعودية، حوالي "450" مليار دولار منها تستثمر في الولايات المتحدة، و"255" مليار دولار في أوروبا، وكانت المؤسسة العربية لضمان الاستثمار في الكويت قد ذكرت في تقرير لها أواخر العام 2004 أن حجم الثروات العربية في الخارج بلغ نحو "1.4" تريليون دولار، كان نصيب دول مجلس التعاون الخليجي من هذه الثروات يتراوح بين "800" مليار وتريليوندولار.
وسواء أكانت الأرقام أكثر من ذلك أو أقل فإن غياب رؤوس الأموال العربية ترك فراغا رهيبا أثر ولا شك على نسق التحولات، داخل الدول الخليجية "مركز ثقل رؤوس الأموال الكبرى" أو فى بقية الدول العربية.
وفيما يقول المتشائمون إن تلك الأموال تذهب بقرار سياسى إلى البنوك الغربية وخاصة الأمريكية لتساهم في تقوية وضع أسواق الدول التى تقف ضد قضايانا القومية وتحولنا إلى أسواق استهلاكية جذابة وترتهن تطور اقتصادياتنا وعملاتنا وتجعلنا دائما سلة لإنتاجياتها وحتى أزماتها "أزمة الدولار الحالية التى تضع الأسواق الخليجية على كف عفريت"، فإن الحقائق على الأرض تقول إن واقع العرب الاقتصادي والإداري لا يتحمل تكدس أموال النفط بأحجام كبيرة تماما مثلما يعجز عن تقبل الكفاءات والأدمغة.
هناك قضية مركزية تدفع رأس المال العربي إلى الهروب وهى أن الفضاء الاقتصادي العربي ما يزال فضاء مذبذبا تتحكم فيه البيروقراطية وهشاشة القوانين وغياب التسهيلات والحوافز، فضلا عن ضعف البنية التحتية، وسيطرة الدولة على مفاصل الحياة.
وإذا عرفنا أن الدولة العربية لا تمتلك مواصفات الدولة الحديثة خاصة الحياد، نفهم مخاوف أصحاب رؤوس الأموال من سطوة العائلات والعشائر المتشابكة مع السلطة واحتكار القضاء والقوانين والتحكم في فوائد الاستثمار وتوسع دائرة الوسطاء الوهميين.
وفى مقابل هروب المال العربي، تدفقت إلى الوطن العربي في العقد الأخير استثمارات أجنبية أكثر مما استثمر العرب أنفسهم داخل الوطن العربي؛ وهى استثمارات مربكة للاقتصاديات المحلية العربية، فهي تأتى بشروط لا تتحملها حركة الأسواق العربية ويسهل عليها ابتلاع الرّساميل المحلية الصغيرة خاصة وأغلبها مرتبط بالشركات العابرة للقارات.
والأهم هنا، أنها تأتى في إطار اتفاقيات شراكة تعفيها من الأداءات وتقدم لها التسهيلات الخرافية ما يجعلها تتحكم في اقتصادياتنا وحتى في قراراتنا السياسية.
لكن من المهم الإشارة أيضا، إلى أن المنطقة العربية بدأت تتخلص من السلبيات السابقة خاصة في الجهة الغربية منها حيث أصبحت دول مثل تونس و المغرب نموذجا في احترام مقاييس الشفافية وإغراء الرأسمال العربي و الأجنبي معا بسلسلة من الحوافز والتسهيلات.
ونجحت الادارة السياسية بهما في خلق مناخ اقتصادي يتحمل المنافسة وينخرط فيها بيسر ويجعل الاستفادة من الرأسمال العربي والأجنبي استفادة دعم وتطوير لا استفادة رهن واحتكار.
وتُعدّ السعودية والإمارات في طليعة الدول العربية التي تصدر الاستثمارات للعالم العربي ويتركز جهدها على قطاع الخدمات والتكنولوجيا والعقارات وإذا أخذنا نموذجا الاستثمارات الإماراتية فى تونس سنجد أنها شملت مشاريع ضخمة أبرزها مشروع سماء دبى الذي يتكلف 14 مليار دولار.
ويركز الخبراء الاقتصاديون العرب في لقاءاتهم ودراساتهم الاستراتيجية فى محاولة للقطع ما حالة الارباك على أهمية دعم وتوسيع الاستثمارات العربية البينية مؤكدين على ضرورة تهيئة المناخ الاقتصادي المناسب وتسهيل الإجراءات القانونية لعودة رؤوس الأموال العربية من الخارج.
كما يطالبون بتفعيل إقامة منطقة للتجارة الحرة العربية الكبرى على أرض الواقع ما من شأنه أن يشكل قفزة نوعية وعملية فى علاقات التكامل والتعاون العربي المشترك في جميع المجالات، على أن تكون لبنة لحلم السوق العربية المشتركة التي بقيت حبيسة أدراج الجامعة العربية.
ويرى الخبراء أن ارتفاع أسعار النفط إلى حدود مئة دولار سيخلق فائضا إضافيا من الأموال العربية يمكن توظيفها في المنطقة، لكن الأمر يستدعى تسريع التفاهمات السياسية، فهناك حالة برود في العلاقات البينية منها ماهو من مخلفات حرب 1990- 1991، ومنها ما هو ناجم عن خلافات حول الحدود التي رسمها الاستعمار ومنها ما هو ناجم عن قصور في الاستشراف والتوقع.
فالدول الخليجية، مثلا، ما تزال تتحرك ببطء فى الانفتاح المالي على المغرب العربي رغم كونه أصبح قبلة الاستثمارات الغربية، الأوروبية والأمريكية على السواء.
فهل يضع العرب محاذير السياسة جانبا ويتفرغون لعلاقات اقتصادية بينية قوية يحلم البعض أن تتحول إلى وحدة أو حتى اتحاد؟
العقود القادمة قد تحمل بعضا من الاجابة فتدعم التفاؤل أو تنتصر للتشاؤم.
أسرار هروب الأموال العربية إلى البنوك الأمريكية
Publicité
/image%2F1013226%2F20140816%2Fob_f4e145_salouabna.jpg)