يمثل موضوع الرعاية الصحية محورا أساسيا في اهتمام مختلف الفئات الاجتماعية إلى جانب موضوع المقدرة الشرائية وغلاء الأسعار، إن السياسة الطبقية اللاشعبية واللاوطنية ببلادنا جعلت الطبقات الشعبية تخسر عد يـد المكاسب في جميع مجالات الحياة بدءا بالشغل والسكن والصحة والتعليم... رغم التضحيات التي قدمتها أجيال متعاقبة من اجل العدالة الاجتماعية.
تقدم السلطة على تطبيق نظام التامين على المرض في مرحلته الثانية بداية جويلية 2008 وتدعو الأجراء وغير الأجراء إلى اختيار احد المنظومات الثلاث (العمومية-الخاصّة عن طريق الطرف الدافع-منظومة استرجاع المصاريف) ولم تزد كل الدعاية في وسائل الإعلام إلا مزيد بث الغموض والالتباس.
السلطة تتخلى كليا عن دورها الاجتماعي في مجال الصحة
منذ بداية الثمانينات وتطبيقا لتوصيات الصناديق الامبريالية النهابة(صندوق النقد الدولي والبنك العالمي) ابتدأ العمل ببرنامج الإصلاح الهيكلي بقروض تشجيعية مقابل التخلي عن القطاعات الإستراتيجية الحساسة مثل التعليم والصحة بعد أن خوصصت القطاعات الخاسرة ثم القطاعات الرابحة في ميادين الفلاحة والصناعة والتجارة والخدمات، الخ.
لقد كان التداوي أواخر السبعينات بأسعار رمزية (طابع العصا البيضاء) لتشهد نسبة تدخل الدولة في الكلفة الإجمالية للصحة تدنيا من 44 بالمائة سنة 1987 إلى 22 بالمائة سنة 2004 وبالمقابل ارتفعت نسبة مساهمة العائلة من 42 بالمائة سنة 1987 إلى 55 بالمائة سنة 2004 وتبرر السلطة الترفيع في نسبة مساهمة الأجراء وعموم الشعب على أنه ضرورة أمام تضخم تكاليف الصحة المقدرة بـ2000 مليار وأن توازن الصناديق الاجتماعية لا يمكن أن يتحقق عبر النسبة الحالية بين الناشطين والمتقاعدين (4/1) وكأنّ هذه النسب قضاء وقدرا وليست هي المتسببة فيها. إنّ المتسبب الحقيقي هم حفنة من الرأسماليين الموالين للقصر ومافيا تسرق المليارات وتهربها للخارج كما أن البطالة وأشكال التشغيل الهش والمناولة تساهم في انخرام موازين الصناديق الاجتماعية.
صندوق التأمين على المرض: الجنة الموعودة لمن؟
يقدم الصندوق على أنه كفيل بتوفير الصحة للجميع وللمنخرط حرّية اختيار القطاع العامّ أم القطاع الخاصّ مقابل التّرفيع في نسبة المساهمة من 2% حاليّا إلى 6.75 (تدريجيّا على سنتي 2008 و2009) 4% منها للمؤجّر و2.75 للأجير يتحمّلها كلّيا العامل من حسابه الخاصّ (حرفيّون- مهن حرّة...). وتمرّ نسبة مساهمة المتقاعد المعرّض أكثر من غيره للأمراض من 1 % إلى 4 %.
هذا هو بيت القصيد: تحميل بالكامل لمصاريف العلاج لمن أفنى عمره في البذل وتنخره الأمراض بسبب الاستغلال الفاحش وظروف العمل المزرية والبيئة الملوّثة، الخ.
أمّا من ليس له من مورد رزق أو شغل والمسرّحون عن العمل وخريجي الجامعة المعطّلين وهم يَعدّون من عشرات الآلاف فإنّ مصيرهم في ظلّ النّظام الجديد للتّأمين على المرض هو التّجاهل والموت.
إنّ الفئات الميسورة والطّبقات البرجوازية تجد الرعاية الصّحّية والتّداوي النّاجع بالمصحّات الخاصّة التي تضاعف عددها في العشريّة الأخيرة أو بالخارج ويأتي هذا الإجراء الجديد ليكرّس واقعا معاشا منذ مدّة وهو الصّحّة بسرعتين صحّة للفقراء وصحّة للأغنياء..
صيغ التّكفّل بمصاريف الخدمات الصّحّيّة غير عادلة:
إنّ نسبة مساهمة المنخرط بـ 6.75 % من الأجر الشّهري أو الدّخل تخوّل له الإنتفاع بالخدمات الصّحّية مقابل معلوم تعديليّ في حدود سقف أجرة شهر ونصف من معدّل أجوره المصرّح بها في منظومة العلاج العموميّة ويمكن للسّلطة مراجعتها مستقبلا إن لم تجد ردود فعل.
وينطبق هذا السّقف على العامل مهما كان عدد من بكفالته (3 أو 8 أو 10)، كما أنّ الزّوجين المنخرطين بالصّندوق يتمتّعان بسقف واحد بينما يقتطع منهما معا وهو إجراء غير قانوني ويتفاوت السّقف بين السميقار والموظّف الإطار من 300 دينار إلى 3000 دينار فهل يمكن أن نتحدّث بعد هذا على عدالة النّظام الجديد للتّأمين على المرض.
ولمّا نعرف ما عليه الخدمات الصّحّية بالمؤسّسات العموميّة من اكتضاظ وبعد المواعيد وانعدام النّظافة ونقص الإطار الطّبّي في عديد الاختصاصات وغياب أو تعطّل الآلات الطبيّة.. فإنّ هذا النّظام يدفع بالمنخرطين إلى هجرة القطاع العمومي في اتّجاه المنظومة الخاصّة بفرعيها.
الاختيار المبني على المجهول؟
لم يحدّد سقف استرجاع المصاريف بالمنظومتين الثّانية والثّالثة؟؟ كما حدّدت نسبة استرجاع مصاريف الدّواء على أساس ثمن الأدوية الجنيسة وهي أدوية مشكوك في جدواها وعلى المنخرط اختيار طبيب العائلة الّذي يوجّهه لطبيب الاختصاص. كما أنّ استرجاع المصاريف لم يحدّد لأجال، لكلّ نقاط الاستفهام هذه يريدون من المنخرط أن يختار. ولمّا لمست السّلطة التّململ في بعض القطاعات (أطبّاء الاختصاص، أعوان الوظيفة العموميّة) مدّدت أخر أجل لاختيار إحدى الصّيغ أخر شهر أفريل.
القطاع العمومي في خطر:
من مطالب اتّحاد الشّغل والأجراء تأهيل القطاع الصّحّي العمومي حتّى يقدر على مزاحمة القطاع الخاصّ و ذلك بـ:
- توفير البنية التّحتيّة والآلات الطبّيّة بكلّ الجهات على غرار القطاع الخاصّ.
- انتداب أعوان صحّة وأطبّاء اختصاص.
- توفير الأدوية اللازمة والضّروريّة للصّيدليّات.
لكنّ هذه المطالب لم تتحقق رغم طول فترة التّفاوض: عشرة سنوات لأنّ القيادة النقابيّة لم تخض حولها النّضالات بل اقتصرت على ندوات جهويّة وقطاعيّة تتمخّض على الشّجب والمزايدة بالشّعارات وهي في نهاية المطاف تصطفّ وراء السّلطة و تمضي على الاتفاقية بكلّ مساوئها.
يتمّ كلّ شيء كما وقع مع ملفّات المناولة ومرونة الشّغل، تنفّذ السّلطة المعادية للشّعب والبيروقراطيّة تلوم بعد حصول الكارثة.
لكن على الأجراء رغم هذا الواقع الصّعب والمرير أن يتمسّكوا بالقطاع العمومي كقطاع إستراتيجي يشغّل الـ50 ألف موظّف وهو الضّمانة في توفير العلاج للأمراض لوجود الاستشارة المتعدّدة داخل المستشفيات بين فريق كامل من الأطبّاء في حال استعصاء تحديد المرض، ولا يعني ذلك طمس علاّت ونقائص هذا القطاع العمومي. بل لا بدّ من خوض النّضال من أجل خدمات صحّيّة أفضل وأرقى. على النقابيّين أن يعوا ذلك للتّصدّي لهدف السّلطة البعيد وهو تفليس المؤسّسات العموميّة لخوصصتها بالكامل. هذه حقيقة المشروع الواجب مقاومته حتّى لا يلحق بركب الخوصصة التي شملت عديد المؤسّسات التي شيّدها الشّعب على مدى أجيال.
"الكنام" خطوة في اتّجاه ابتزاز أطبّاء الممارسة الحرّة:
إنّ الهدف الأخر من مشروع "الكنام" هو إجبار الأطبّاء على التّعاقد مع الصّندوق لأنّه الخيار الوحيد أمامهم لضمان الشغل وبذلك يمكن للصّندوق ومن ورائه السّلطة معرفة حقيقة مداخيلهم وتشديد الخناق الجبائي عليهم فتلحقهم بالأجراء اللّذين تخصم الأداءات من مرتّباتهم مباشرة وهو من بين الأسباب الّتي جعلت أغلبهم التّعاقد. وقد قام أطبّاء الاختصاص بإضراب ناجح لفرض مطالبهم.
- من أجل تأهيل القطاع الصحّي العمومي.
- ليتحمّل الأزمة المتسبّبون فيها.
- من أجل استشارة المجتمع المدني حول الملفات الوطنيّة.
(المصدر: "البديل عاجل"بتاريخ 14 أفريل 2008
Publicité
/image%2F1013226%2F20140816%2Fob_f4e145_salouabna.jpg)