ظاهرة ما فتأت تتفاقم يوما بعد يوم لتشد أنظار الشباب التونسي، خريجي الجامعة، مراكز المكالمات، التي تعرف "بسنتر دابال" (Centres d’appels) لقد ظهرت منذ سنة 1999 لتصبح ملجأ الآلاف من المعطلين أصحاب الشهادات العليا حيث يجدون، حسب رأيهم، الراتب الشهري المغري بالإضافة إلى التشجيعات التي تصل في بعض الحالات إلى ألف دينار.
فهل صحيح أن هذه المراكز يمكن أن تحد من بطالة أصحاب الشهائد العليا؟
هل ما تقوم به مثل هذه الشركات قانونيا؟ وأي قانون تنضوي تحته هل هو القانون الفرنسي أم التونسي؟
وكيف يضمن العاملون بهذه الشركات حقوقهم عندما يقرر الأعراف العودة إلى بلدانهم وغلق مشاريعهم؟
اتفق مجموعة من المستجوبين ممن عملوا أو مازالوا يعملون بمراكز المكالمات بأنها تساهم في تخدير الشباب المعطل عن العمل وتحويل وجهته نحو المجهول بداية بتجريده من هويته وإعطائه اسما مستعارا مثل سيلفي أو باتريك ثم يجبرونه على العمل أكثر من ثمانية ساعات في اليوم بالإضافة إلى عقود العمل محددة المدة وظروف العمل المتعبة والغير محمية فهم مهددون بالإصابة باضطرابات في مستوى الدماغ جرّاء استعمال السماعة أو ما يسمى بـ الكاسك.
يعمل بهذه الشركات الشاب التونسي المعطل أو الطالب قصد ربح بعض المال في انتظار تعيين من قبل الحكومة أو نجاح في مناظرة ليجد نفسه يعمل كامل اليوم فيضيع بذلك مستقبله العلمي إن كان طالبا ولن يجد الوقت للمراجعة للاجتياز إحدى المناظرات الوطنية إن كان معطلا.
"سناء" طالبة بإحدى الجامعات التونسية بالعاصمة تقول باكية أنها قد عملت بثلاث مراكز لمدة تتراوح بين الثلاث إلى الأربع أشهر دون مقابل وهي الآن لا تجد ثمن تذكرة الحافلة للتنقل أو للبحث عن عمل جديد فقد تملكها اليأس جراء هذه الشركات التي ما انفكت تتفاقم يوما بعد يوم.
هذه الفتاة ليست سوى عينة من مجموعة كبيرة تعرضت للاحتيال من قبل إما شركات وهمية أو شركات قررت فجأة تغيير اسمها ومقرها إن أمكن لتجدد طاقم العمل كله ولا حق لأي عامل فيها وقع طرده في أي تعويض ، هكذا انفجرت نرجس زميلة سناء بنفس الجامعة وقد تعرضت هي الأخرى للاحتيال من قبل أشباه الشركات كما أكدت على ذلك طوال حديثها.
مراكز للدجل والشعوذة
"تحت اسم شمس أو soleil لصاحبها السيد عبد السلام الغيلوفي نقوم بأعمال دجل وشعوذة موجهة للجالية العربية بفرنسا وللفرنسيين إن وقعت آذانهم على إذاعة "بور أف أم"
- ... اتصلوا الآن بالحاج **** على الرقم ***** يفتح الكتاب و يخفف المكتوب ويبطل السحر"...
هذا الإشهار تجده على موجات الأثير وطوال فترة بثه يتصل الناس لنجيبهم نحن لنخلق لهم مشاكل مع من حولهم ونوهمهم أن أحدا يحقد عليهم وأن آخر قام بسحرهم والحل بأيدينا نحن فقط والثمن لا يقل عن خمس مائة أورو ليصل في أغلب الأحيان إلى أكثر من ألف أورو. هذه الشركة قامت بتكويننا في مادة علم النفس لمدة شهر ونصف وأوهمتنا بأننا سوف نقوم بمعالجة المتصلين نفسيا ومساعدتهم للخروج من أزماتهم وحل مشاكلهم وما سنقوم به جائز قانونيا ودينيا، بل بالعكس سوف نربح إضافة للمال الـ"ثواب" في الآخرة فما راعنا إلا أننا وخلافا لكل المراكز الأخرى نجبر على التعامل مع المتصلين العرب بأسماء عربية لعرافين نساء أو رجال متقدمين في السن وعوض أن نتكلم بالفرنسية كما هو معلوم عند الجميع نجبر على التحدث معهم بلهجاتهم الأصل كأن يتصل مواطن من أصل مغربي لابد أن أكون أنا مغربية الأصل حتى يثق بقدراتي ويسهل بذلك التدجيل عليه بقيمة تتجاوز في أغلب الأحيان الألف أورو"
هذا ما قالته فتاة تعمل في نفس الشركة ورفضت التصريح باسمها لأنها مازالت تعمل إلى الآن وأضافت مبرّرة بقائها بهذا العمل "أنا في حاجة للمال فقد بقيت عاطلة عن العمل لمدة ستة سنوات وفي انتظار النجاح في مناظرة من المناظرات اضطررت للعمل " تكازة " ومستعدة من أجل جني لقمة العيش أن أعمل بأماكن أكثر قذارة من هذا العمل".
لمن نلجأ؟
أي دور للدولة أمام الازدياد الهائل لمراكز المكالمات التي وصلت إلى أكثر من مائة مركز ومتى سوف تتدخل لتقنن وتنظم هذا القطاع هكذا تساءل الشاب "سيف" وهو يعمل في مركز للمكالمات منذ سنة 2001 وأضاف متسائلا عن مصير الستة سنوات التي قضاها من عمره وهو يجدد كل ستة أشهر عقده مع الشركة قائلا "ما هو الحل؟".
أما الطالب "وليد" فقد صرّح بأنه قد وقع طرده ثلاث مرات دون أن يأخذ مستحقاته من الأعراف الذين يغلقون الباب أمامه كل ما طالب بها "فلمن نلجأ حين نطرد تعسفا من هذه المراكز" فوضعها القانوني غير مفهوم بالإضافة إلى أن العرف حين يستمع إلى أحدهم و قد تحدث مرة واحدة عن حق وحقوق يطرده فورا بعلة أنه تطاول و"هو إلّي –عامل عليه مزية-" بتشغيله. وأضاف وليد، بالرغم من أني مطرود حديثا من مركز نداء، مع ذلك أنا أبحث عن مركز آخر أعمل فيه لأنه لا خيار أمامي سواهم.
الأعراف والعمال بمراكز النداء مسؤولون عن تدنّي الأوضاع المهنية والمشاكل، هكذا تفاعل السيد "منذر" مواصلا فكرة صديقه وليد وصاح محتجا لو كان العمال صفا واحدا من أجل مصلحتهم لما وقف أمامهم أحد فالنقابة هي الملجأ الوحيد لكل العمال منذ الأزل، أما الأعراف فتتحمل المسؤولية حين تشغل العمال وتطردهم دون تطبيق القانون والتعالي على الشغيلة وحرمانهم من حقهم في تكوين نقابة تدافع عنهم.
ليست هذه سوى عينة من نتائج الخوصصة وسياسة البقاء للأقوى، لقد استحوذ الرأسمال الأجنبي على أفضل القطاعات ولأكثرها ربحا مما زاد في رهن البلاد للاحتكارات الدولية وهو ما جعل السلطة تتراجع عن تطبيق القوانين المنظمة للحياة المهنية وكذلك عن النظر في أهم قضايا الشعب وخاصة التشغيل.
"المصدر –البديل" 05.05.2008
/image%2F1013226%2F20140816%2Fob_f4e145_salouabna.jpg)