احتضنت المنطقة المغاربية نزعة جديدة للقاء الغرباء في قاعات الدردشة وإيجاد مكان للتعبير عن الذات في فضاء الانترنت حتى حول المواضع المحرمة.
جمال العرفاوي لمغاربية من تونس العاصمة – 01/08/08
لم تعد الشبكة العنكبوتية بالنسبة إلى الكثيرين من الشباب المغاربي وسيلة للخوض في القضايا السياسية بل تعدتها لتصبح منتدى آمن للتعبير عما يدور في أذهانهم من عواطف جياشة يصعب الخوض فيها في العلن.
وفي مجتمع لا يزال خاضعا للتقاليد وخطوط حمراء يسطرها الدين، فإن الناس من كافة الأعمار والطبقات الاجتماعية يفضلون إخفاء أفكارهم العميقة خلف شاشات الحواسيب الصلبة. ومع ظهور الكثير من "النوادي الافتراضية" على الانترنت، تحول هذا الفضاء إلى منبر جديد لإيجاد الصديق أو الشريك الأمثل بالنسبة للأوفر حظا.
وتعترف مريم، التي تجاوزت العقد الثالث ومازالت عزباء، أنها وجدت في الشبكة العنكبوتية ضالتها المنشودة لتتعرف على الطرف الآخر ومخاطبته " دون حرج أو أي التزام".
وقالت "أنا حرة هنا أخاطب وأرفض من أشاء". وتضيف "الوسط العائلي الذي تربيت فيه محافظ ويرفض الاختلاط ولم تكن لي حيلة أخرى سوى الدخول خلسة إلى النوادي الافتراضية التي يلتقي فيها الجنسين بواسطة الانترنت".
ويستهوي موقع " أبي كور" الكثيرين من بين شبان المنطقة. ويبلغ عدد المنتسبين إليه حسب أصحاب الموقع 300 ألف يتألفون من جزائريين وتونسيين ومغربيين، بالإضافة إلى الفرنسيين الذين هم الأكثر حضورا في الموقع. وتتراوح أعمار المشتركين بين 18 و90 سنة. ولا تمثل النساء فيه سوى الثلث.
ويقول مراد بن سعد المشترك في أبي كور وهو في العشرينات من عمره أنه يبدد أكثر من خمس ساعات في اليوم أمام شاشة الكمبيوتر للإبحار أو الدردشة على الانترنت.
ويقول "صرت مدمنا على التخاطب مع فتيات لا أعرفهن ونتحدث في كل شيء بلا طابوهات".
صديقات مراد عبر الانترنت هن من مختلف الأعمار ومن جهات مختلفة بما في ذلك نساء متزوجات ورجال أيضا يريدون إقامة علاقات معه.
وصرح مراد لمغاربية "ما فاجأني أنهم يتحدثون معي بكل صراحة عن ميولاتهم الجنسية بما في ذلك تلك التي لا يجرؤ أي أحد أن يعلن عنها بعيدا عن شاشة الكمبيوتر".
وحسب الإعلامي مختار التليلي الذي يراقب الموقع منذ انبعاثه قبل نحو خمس سنوات "من خلال هذا الموقع تجد الصور الحقيقية للمجتمعات العربية الإسلامية تكتشف أناسا يتحدثون بكل صراحة في مواضيع مازالت مرفوضة عندنا بل أنها محرمة دينيا وأخلاقيا وترفض العائلة أو الأصدقاء أن يقبلوا بها".
ويعتقد التليلي أن الانترنت غيّر كليا القوانين التي تنظم العلاقات الاجتماعية في المنطقة.
وأوضح التليلي "بعد أربعة عشر قرنا من نظام ذكوري مهيمن ومحافظ لا يسمح بالخوض في القضايا العاطفية والجنسية، جاءت الشبكة العنكبوتية لتحطم كل الممنوعات والمحرمات. وأصبح شبابنا بإمكانه أن يجد فيها كرسي اعتراف يعبر أمام شاشته عن كل أحلامه العاطفية وكذلك مشاغله وتساؤلاته دون خوف".
" لقد منحت هذه الشبكة لأبناء منطقتنا فرصة لا مثيل لها ليهرب من واقع ملئ بالمحاذير واقع يضع العلاقات العاطفية الطبيعية في ميزان الحلال والحرام".
ويعتقد التليلي أن الخوض في المسائل العاطفية بكل حرية يزيح عن شبابنا الضغط النفسي وهو ما يولد العنف المادي "ولكن بعد أن يقضي أحدهم ليلته يتحدث في مواضيع الحب والعواطف الجياشة سيجعله في صبيحة الغد شخصا متوازنا وهو يسير في الشارع ".
لكن هذه الحرية الافتراضية تحتم إخفاء الهوية على الانترنت. ويستعير التونسيون الذين يرتادون على هذه المواقع أسماء وهمية وسيرات مبتكرة. ويستعمل البعض أسماء بعض الفنانين "جينيفير لوبيز" أو "مونيكا بيلوتشي" فيما يفضل آخرون أسماء سياسية مثل "أوباما" أو "كنيدي". ويقدم المشتركون استعارات أخرى تعبر عن طبيعة أصحابها مثل للاتك أي سيدتك أو المغامر أو العابرة أو الحائرة.
كما أن المسلمين الأتقياء انضموا أيضا إلى هذه النزعة. ولا يتردد المشاركون المتدينون أمثال الأستاذ المغربي الذي يسمي نفسه "مسلم" أو المرأة التونسية التي تحمل اسم "محجبة" في طلب توفر شرط التدين في شريكها.
ويفوق الرجال النساء في قاعات الشات بنسبة 4-1 ومعظمهم في الثلاثين أو الأربعين.
ولا يجد بعض هؤلاء أي حرج في الإعلان عن ميولهم الجنسية وتطلعاتهم، وحتى الرجال والنساء المتزوجات الباحثين عن علاقات عابرة أو فتيات تبحثن عن صداقة وطيدة مع فتاة أخرى.
وتكتب إحدى هذه الفتيات على صفحتها" الرجاء من الذكور ألا يحاولوا الاتصال مع احترامي لكل الرجال". وتقول أخرى "الرجال سأصدهم وألا يحاولوا الاتصال وإضاعة وقتي".
.وخلال أيام الأسبوع وخاصة في الفترة الصباحية فإن الكهول هم من يسيطرون على الموقع وغالبيتهم من وراء مكاتبهم
أما في نهاية الأسبوع، فالأمر مختلف حيث يشهد تدفقا لا مثيل له للمحاورين وغالبيتهم من الشباب. ويقول الباحث الاجتماعي التونسي المنجي السعيداني إن لجوء الشباب إلى هذه الوسائل للالتقاء يعود إلى عدة أسباب "وسط عالم لا وقت فيه للتلاقي والتعارف" فإن الشباب يفضل التعارف على الانترنت.
ويضيف أنه في عالم الانترنت "الشباب على عكس الواقع المعيش غير مطالب بالتقدم للخطوبة وما ينجر عن ذلك من مستلزمات مادية".
/image%2F1013226%2F20140816%2Fob_f4e145_salouabna.jpg)