فرضت المنافسة المتزايدة التي باتت تمارسها المصارف الأجنبية في منطقة المغرب العربي على المؤسسات المصرفية المحلية تحديث أساليب عملها، واعتماد مواصفات دولية في مقدمها اتفاق «بازل 2» الخاص بتطوير الخدمات المصرفية.
وأنهى أمس مسؤولون في مصارف البلدان الأعضاء في الاتحاد المغاربي (ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا) اجتماعات استمرت يومين في مدينة الحمامات، بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، اتفقوا في اختتامها على مباشرة تنفيذ بنود «اتفاق بازل 2» لكن على ثلاث مراحل. وينص الاتفاق على تدابير وإجراءات تتيح تقدير الأخطار المصرفية ووسائل الوقاية منها، بعد تخصيص الاعتمادات اللازمة لذلك. وأوضح حاكم المصرف المركزي التونسي توفيق بكار، الذي رأس الجلسة الختامية، أن المرحلة الأولى من الخطة هي «تحديث شامل لأنظمة المعلومات في المصارف المغاربية، فيما تتمثل الثانية برصد اعتمادات الوقاية من الأخطار المصرفية وتالياً السيطرة عليها. أما الثالثة فتقضي بإيجاد مرجعية تشكل سلطة رقابة داخل كل مصرف، إضافة الى إلزام المصارف احترام قواعد السوق، ما يعني إعطاء معلومات دقيقة ودورية في شأن أوضاعها المالية.
وأفيد بأن البلدان المغاربية تعتزم اتخاذ خطوات تشريعية لتعديل القوانين المصرفية المحلية لتتطابق مع اتفاق «بازل 2»، إضافة الى تحسين مناخ الأعمال وخصوصاً في القطاع المصرفي. ووصف خبراء شاركوا في الاجتماعات اعتماد الأسس التي يلحظها الاتفاق كونه «أقصر طريق الى الاندماج في السوق العالمية». فيما اعتبره المدير العام لصندوق النقد العربي جاسم المناعي «دواء أثبت نجاعته وميزاته»، موضحاً أن «الانعكاسات الثانوية التي قد تترتب عليه ستُطوقها المؤسسات المتخصصة المؤهلة لذلك».
وأبدى متحدثون في الاجتماعات مخاوف من «انعكاساته السلبية على المصانع الصغيرة والمتوسطة الحجم وكذلك على المصارف الصغيرة وهي تشكل الغالبية في القارة الأفريقية. لكن مدير الأسواق المالية في صندوق النقد الدولي خايمي كاروانا حاول تهدئة هذه المخاوف، مقللاً من نتائجها السلبية على الأجهزة المصرفية المحلية، مُركزاً على المنافع التي يمكن أن تحصدها من التزام مواصفات «بازل 2». وأوضح المناعي وكاروانا أن خبراء سيتولون دراسة كل حالة على حدة، والعمل على أن يستفيد الجميع من تنفيذ الاتفاق.
وأفادت نتائج دراسة أعدها صندوق النقد العربي عن مدى استعداد الاقتصادات العربية للانسجام مع شروط «بازل 2»، بأن معظم لبلدان «مُهيأ لتلك النقلة». غير أنها أكدت وجود «نقص في الاعتمادات المالية اللازمة في بعض البلدان العربية، والتي تشكو من ضعف المعلومة وضآلة الخدمات وقلة تنوع النشاطات الاقتصادية». وأتاحت الأوراق التي قدمها خبراء ومسؤولون مصرفيون خلال الاجتماعات معرفة مدى استعداد المصارف المغاربية للانتقال إلى مرحلة متقدمة، تجعلها تقترب من المواصفات الدولية وتكرس إدخال سلسلة من الإصلاحات الجوهرية على أجهزتها المصرفية. لكن لوحظ أن هناك تفاوتاً كبيراً بين البلدان، ما أدى إلى عدم الاتفاق على السير بوتيرة متشابهة. وستباشر البلدان المغاربية تنفيذ المراحل التي تُقربها من تنفيذ بنود «بازل 2» في شكل متباعد «يأخذ في الاعتبار خصوصيات كل بلد».
وفي ظل تنامي العولمة، وجدت المصارف المغاربية نفسها مضطرة الى الانفتاح على العالم الخارجي، بعدما كانت تُدار مثل سائر مؤسسات القطاع العام وتخضع لمنطق غير اقتصادي. واعتبر تقرير أعدته السلطات التونسية عن آفاق تطوير الجهاز المصرفي أن تدويل المصارف المحلية وانفتاح المستثمرين ورجال الأعمال المحليين على الأسواق الخارجية «شرطان ضروريان لوضع المصارف في قلب العملية الاقتصادية وتحقيق نسب أعلى من النمو، ما يساهم في الحفاظ على التوازنات اللازمة للاقتصاد الوطني». وفي هذا السياق فتحت البلدان المغاربية في السنوات الأخيرة اقتصاداتها أمام مصارف أوروبية وأميركية أسست فروعاً لها في المنطقة أو اشترت غالبية الأسهم في مصارف محلية بعد تخصيصها، ما شكل تحدياً للجهاز المصرفي المحلي الذي استمر يعمل بالوسائل القديمة. وفي مقدم المصارف الأجنبية التي وضعت قدماً ثابتة في البلدان المغاربية «سيتي بنك» الأميركي و «ساتندر» الإسباني و «سوسييتيه جنرال» و«كريدي ليوني» و «بي أن بي باريبا» الفرنسية. واستطاع مصرف «ساتندر» الإسباني بالاشتراك مع «بنك الوفاء التجاري» المغربي السيطرة أخيراً على أكثر من 53 في المئة من أسهم «بنك الجنوب» التونسي، بعدما باعت الدولة حصصها في رأس ماله والمقدرة بـ 33 في المئة. ثم اشترت المجموعة الإسبانية المغربية 20 في المئة أخرى من أسهم المصرف في السوق المالية. كما اشترت مطلع العام الحالي غالبية الأسهم في «البنك التونسي السنغالي» ومقره العاصمة دكار.
وتُعتبر عملية تخصيص «بنك الجنوب» الثالثة من نوعها، إذ سبق لمصرف «بي أن بي باريبا» الفرنسي أن اشترى 50 في المئة من أسهم «الاتحاد البنكي للتجارة والصناعة» UBCI التونسي ووضع علامته المميزة على فروعه في العاصمة والمحافظات الداخلية. كذلك اشترى بنك «سوسييتيه جنرال» الفرنسي أكثر من 50 في المئة من أسهم المصرف التجاري المحلي «الاتحاد الدولي للبنوك».
وأعلنت مجموعة «بي أن بي باريبا» المصرفية الفرنسية أخيراً، أنها ستعزز حضورها في تونس بفتح 30 فرعاً خلال السنتين المقبلتين. وأفاد مصدر في المصرف بأن خطة الانتشار في تونس تندرج ضمن مشروع يرمي الى فتح 200 فرع جديد في المنطقة المتوسطية وبلدان الخليج خلال فترة تنتهي أواخر العام الحالي. كما أعلن نائب رئيس اتحاد المصارف الإيطالية دجوفاني دي سانسي الذي زار تونس أخيراً أن ثلاثة مصارف تجارية إيطالية دخلت إلى السوق التونسية من دون إعطاء تفاصيل أخرى.
(المصدر: صحيفة "الحياة" (يومية – لندن) الصادرة يوم 25 جوان 2007)
/image%2F1013226%2F20140816%2Fob_f4e145_salouabna.jpg)