أكد الخبير الإقتصادي حسين الديماسي أن ما يقال هذه الأيام عن حالة الصناديق الإجتماعية لا يمثل إلا الجزء الظاهر من جبل الجليد، وأنها وصلت إلى مرحلة كارثية نتيجة اللامبالاة في التعامل مع الأزمة منذ بدايتها أوائل التسعينات، بحيث لم تعد الفرصة متاحة الآن للخروج من المأزق حتى لو أتينا بأعتى الاختصاصيين. واعتبر أن الأزمة ليست اقتصادية صرف، وإن كانت تبدو كذلك، وإنما متعددة الأوجه، كما أن تداعياتها ستتجاوز هذا البعد لتطال المجالات الاجتماعية و السياسية. فقد "أثبت التاريخ أن كل قضية اجتماعية أو اقتصادية تحتد ولا تجد مخرجا مقبولا من جميع الأطراف إلا وتنجر عنها اختلالات سياسية وهذه سنة من سنن التاريخ". ذلك بعض ما جاء في كلمة المحاضر خلال ندوة نظمها منتدى "الموقف" يوم السبت 9 أكتوبر الجاري، تناولت بالدرس موضوع المخاطر التي تواجه منظومة التقاعد. وقد شهدت هذه الندوة حضورا نوعيا لعدد هام من الباحثين والنقابيين والمثقفين مما ساهم في الإرتقاء بالنقاش ليغوص في التفاصيل الدقيقة للموضوع. و تولى الدكتور عبد المجيد المسلمي إدارة النقاش إضافة إلى تقديمه هو والأستاذ محمد الهادي حمدة مساهمتين هامتين ركزتا على زوايا أخرى للموضوع
بدأ الديماسي عرضه برسم صورة كاريكاتورية لنظام التقاعد بحيث تبدو هذه المنظومة وكأنها متاهة عبثية بفعل تعدد الصناديق وتعدد الأنظمة داخل الصندوق الواحد. وليس المشكل في تعدد انواعها وإنما يكمن في اختلاف المعايير واضطرابها إلى حد لا يُصدق. تتضمن هذه المنظومة عموما نظامين يختص أحدهما بالوظيفة العمومية وهو صندوق التقاعد والحيطة الاجتماعية، ورغم ما يعتري هذا الصندوق من مشاكل إلا أن ما يخفف من وطأتها أنه واحد في معاييره ونظامه. أما الصندوق الأشد وطأة فهو صندوق الضمان الإجتماعي، لأنه يسير ستة أو سبعة أنظمة تقاعد هي: نظام الأجراء في القطاع الخاص غير القطاع الفلاحي وهو أهم أنظمة هذا الصندوق ( تم إحداثه سنة 1974) ونظام التقاعد التكميلي (1978) و نظام الأجراء في القطاع الخاص الفلاحي (1981) ثم نظام الأجراء المحسن، ولا أدري معناه أو الغاية من إحداثه، ويتعلق بالقطاع الخاص الفلاحي (1989) ونظام العمال التونسيين بالخارج ( 1989 أيضا) و نظام العمال غير الأجراء (أصحاب المهن والحرف) تم إحداثه سنة 1995 و نظام العمال ضعيفي الدخل (2002) وآخر الإضافات العجيبة ما تم إحداثه مؤخرا من نظام خاص بالفنانين.. خليط غير معقول من الأنظمة يختلف كل واحد منها عن البقية في قيمة الإشتراك وقيمة الجرايات التي يمنحها ومدد العمل المطلوبة. وأكد المحاضر أن ما تقدم يعتبر دليلا على حجم اللخبطة من ناحية، وما ينتج عنها من تعقيد للأمور وصعوبة إيجاد الحلول. وفي هذا السياق تساءل الديماسي عن سبب التباين بين نظام التقاعد في الوظيفة العمومية ومثيله في القطاع الخاص، موضحا أن نسبة الإقتطاع تبلغ في النظام الأول 19،7 بالمائة أي قرابة خمس الأجر، تدفع منها الدولة (المشغل) 11،5 بالمائة ويدفع الموظف 8،2 بالمائة. أما أهم نظام في الضمان الاجتماعي فلا تتجاوز فيه هذه النسبة 12،5 بالمائة. كما يشمل هذا التفاوت، الغريب بنظر الديماسي، كيفية احتساب جراية التقاعد. فالأجير في الوظيفة العمومية يحصل على نقطين عن كل سنة خلال العشر سنوات الاولى من العمل، ليحصل بذلك على عشرين بالمائة من أجره إذا لم تتجاوز مدة العمل عشر سنوات، وفي العشرة الثانية يحصل على ثلاث نقاط سنويا (50 بالمائة لمدة 20 سنة عمل)، فيما يكون نصيبه نقطتين عن كل سنة بعد هذه المدة. لذلك تصل جراية من عمل أكثر من 35 سنة إلى نسبة 90 بالمائة من آخر أجر حصل عليه الأجير. أما في القطاع الخاص (الضمان الإجتماعي) فيحصل الأجير على أربع نقاط خلال العشر سنوات الأولى ثم نقطتين سنويا عن المدة المتبقية، وعليه تبلغ أعلى جراية تقاعد في هذا القطاع نسبة 80 بالمائة من آخر جراية.
عجز متراكم
أما الوضعية المالية لهذه الصناديق فاعتبر المحاضر أنها سيئة كيفما قلبتها، بل إنها، بنظره، كارثية، إذ بدأ عجز منظومة التقاعد للوظيفة العمومية سنة 1993، حين تم تسجيل عجز سنوي تراوح بين 10 و 11 مليون دينار، ليتطور خلال السنة الأخيرة إلى 200 مليون دينار... أما في نظام الضمان الإجتماعي فانطلق العجز سنة 2005 بما يقارب 32 مليون دينار، ليصل الآن إلى حوالي 300 مليون دينارا، أي تضاعف العجز 10 مرات في ظرف خمس سنوات. وهو ما يشير إلى حجم الهاوية التي تردت فيها منظومة التقاعد في ظل صمت مطبق من الجميع في بدايات الأزمة. وأكد المحاضر أن "القادم أسوأ"، إذ أشارت إسقاطات دراسة أعدها معهد البحوث التابع لصندوق الضمان الإجتماعي أن العجز السنوي سيتطور في أفق سنة 2030 إلى حوالي 9،5 مليار دينار، أي تقريبا نصف ميزانية الدولة لسنة 2011. وما يزيد الحالة سوءا أن هذه المنظومة ستدخل السنة القادمة مرحلة العجز التراكمي، وهو أخطر ما ينتظرها. وتعني هذه المرحلة أن الصناديق تكزن قد أتت كل مدخراتها، وتحول العجز من ظرفي إلى بنيوي. وتشير التقديرات إلى أن هذه النمط التراكمي من العجز في منظومة التقاعد عموما سيبلغ سنة 2030 ما لا يقل عن 80 مليار دينار.أما سنة 2015 فإن العجز الجملي لصناديق التقاعد سيبلغ حسب الإسقاطات، المتفائلة، 3،5 مليار دينار، أي ما يعادل الميزانية التي تسخرها الدولة للمنظومة التربوية بكل مراحلها. وهو ما يشير على حجم الكارثة التي تنتظر نظام التقاعد، حسب الديماسي.
تعدد الأسباب
ثم تطرق المحاضر إلى أسباب ما اعتبره هاوية سقطت فيها المنظومة فأشار إلى جملة من الأسباب تتعلق بالموارد ثم بالمصاريف إضافة إلى ما مر ذكره من متاهة التعدد في أنظمة التقاعد. وفي ما يخص الموارد انطلق بتداعيات هشهشة التشغيل وما تؤدي إليه من ضعف الإقتطاعات. ذلك أن الإجراءات الإسعافية لتشغيل أصحاب الشهائد فرض إدخال أنماط جديدة من التعاقد مثل انظمة التعاقد المؤقتة والتعاقدات وفق أنظمة وضعتها الدولة لدعم التشغيل، مؤكدا أن البطالة وما انجر عنها من إجراءات ترقيعية ستقضي، وفق هذا المسار، على أي إمكانية لإخراج منظومة التقاعد من أزمتها، إذ وفقا للسيناريو المتفائل فإن المؤشر الديمغرافي (أي نسبة الذين يشتغلون من عدد المتقاعدين) ستنهار من 4 مشتغلين مقابل متقاعد واحد هذه السنوات لتبلغ أقل من مشتغل واحد (0،9) على كل متقاعد... ولكم أن تتخيلوا، يضيف المحاضر، وضعية صناديق لا تجد عاملا تقتطع منه إشتراكا. كما أشار إلى ظاهرة عدم أو سوء التصريح بالمداخيل مستغربا أن يتم ذلك في الكثير من الأحيان بتواطئ من العمال الذين لا يدركون تأثير هذا "التساهل" منهم على معاشاتهم أثناء التقاعد، إضافة إلى تكاثر المعاليم المخصومة لفائدة التقاعد دون أن تجد طريقها إلى الصندوق وهذا يشمل القطاعين الخاص كليهما، والثاني وهو أكثر غرابة إذ تعمد بعض المؤسسات العمومية أو شبه العمومية إلى هذه الممارسات حسب الديماسي. ثم تطرق إلى سبب آخر لهذا المأزق ويتعلق بكثرة الإعفاءات من اشتراكات التقاعد في إطار التشجيع على الإستثمار، مؤكدا أنه أحصى 11 نوعا من الإعفاءات، ليخلص في النهاية إلى مسألة سوء توظيف فوائض الصناديق، حين كانت تنعم بالفوائض.
أما فيما يخص المصاريف فأشار إلى ما سماه سخاء أنظمة التقاعد في بلادنا، إذ أن نسبة الجرايات قد تبلغ في الوظيفة العمومية 90 بالمائة من آخر أجر و80 بالمائة في القطاع الخاص. وهي نسبة غير معقولة بنظر المحاضر طالما أنها لا تتجاوز في أرقى الدول الصناعية 60 بالمائة. لكن هذا لا يعني أن الجرايات عالية وأنه علينا التقليص منها، بل هي في الغالب ضعيفة جدا، ففي سنة 2002 فإن 70 بالمائة من المتقاعدين في إطار الضمان الإجتماعي لا تتجاوز جرايتهم ضعف الأجر الأدنى المفروض (SMIG ).
المشكلة الثانية هي تكاثر المحالين على التقاعد المبكر.. فمعدل سن التقاعد ببلادنا 55 سنة وليس ستين في وقت تطور فيه أمل الحياة من ستين سنة ليبلغ الآن 73 سنة للذكور و 74 للإناث وتشير بعض الإسقاطات الديمغرافية أن أمل الحياة سيتطور خلال العقود القادمة إلى 84 سنة أي أن مدة التقاعد ستتجاوز العشرين سنة. لذلك اعتبر الخبير أن أولى الخطوات الضرورية هي الغاء التقاعد المبكر. أما ثالثة المشاكل المتعلقة بالمصاريف فهي توظيف نفقات أموال الصناديق في ميادين لا علاقة لها بالضمان الإجتماعي ولا بالتقاعد مثل برامج العائلات المعوزة، متسائلا لماذا تتحمل الصناديق هذه الأعباء في حين أنها من مشمولات ميزانية الدولة. وأكّد أن هذا إنما هو نتاج خلط رهيب بين مفهوم الضمان الاجتماعي ومفهوم التضامن الإجتماعي.
آفاق العتمة
وبعد أن أوضح هذه الصورة القاتمة لوضعية منظومة التقاعد تطرق الديماسي إلى الآفاق والمسارات التي ستتخذها الأزمة مؤكدا أن لا حل جاهز للأزمة نظرا لكل الأسباب التي مرت بالإضافة إلى سبب آخر هو التباطؤ المتأكد في إحداث مواطن شغل إضافية نتيجة الأزمة الإقتصادية العالمية التي قال عنها إنها بنيوية وأننا مازلنا في بدايتها على عكس ما يقوله خبراء البنك الدولي وبقية المؤسسات المالية العالمية. فحسب الإحصاءات الرسمية التي يمكن التشكيك في الكثير من مقاييسها، فقد تراجعت إحداثات مواطن الشغل من 70 ألف موطن شغل سنويا بين 2005 و 2008 إلى ما لا يزيد عن 49 ألف موطن شغل سنة 2009.
وما يزيد الوضع سوء هي رؤى الأطراف المختلفة لأزمة هذه الصناديق وطرق الخروج بها إلى شاطئ الأمان. وفي هذا السياق أشار إلى أن الحكومة كانت تعلم ومنذ مدة طويلة ببداية العجز لكنها دأبت على استعمال نفس المنهج في كل القضايا وهي الإجراءات الترقيعية، مشيرا إلى أنها لن تتجاوز احتمالين، هما الزيادة في نسبة الإشتراكات والتمديد في مدة العمل ليكون سن التقاعد 62. غير أنه أكد أن هذين الإجراءين لن يكون لهما أي أثر على المدى الطويل، وأن من شأنهما تأجيل الغرق لبضع أشهر أو في أحسن الأحوال سنتين أو ثلاث. كما أن الرفع في سن التقاعد سيزيد تأزيم الوضع لأن انعكاساته ستكون سلبية على خلق مواطن الشغل.
أما اتحاد الشغل وهو الطرف الثاني في هذه القضية فأشار المحاضر إلى أن موقفه مازال مشوشا لأن إجابته المبدئية هي "لا مساس بالمكاسب". ولئن كان هذا الموقف يتماشى مع دور المنظمة في الدفاع عن الشغالين، فإنه سيزيد حسب المحاضر في مزيد تعميق الكارثة. ذلك لأن السفينة إن غرقت فستغرق بالجميع مثلما قال. أما بقية منظمات المجتمع المدني ومن ضمنها الأطراف المهنية مثل منظمة الأعراف وهيكل اتحاد الفلاحين فأشار إلى أنها غير واعية بأبعاد القضية أصلا... وجادل المحاضر من يصرون على القول بأن على الحكومة تسديد العجز، بأن ذلك لن يكون إلا عبر حلول ثلاث كل حل أشد مرارة من سابقه: الأول بأن تنقص من النفقات وبالتالي ستبدأ من النفقات الأساسية الحياتتية أي التعليم والصحة وربما النقل والطرقات. والثاني الالتجاء إلى التداين الخارجي بشكل لا يُطاق وبذلك ننجي فئة المتقاعدين ونغرق الشباب بحجم ديون لا يطاق. أما المورد الثالث فيكون من خلال ضغط لا يطاق على الجباية والرفع من أسعار الخدمات والمواد الحياتية الكهرباء والماء والاتصالات. لكن هذا سيكون له انعكاس كارثي حسب رأيه، إذ سيؤدي إلى كسر العمود الفقري للمجتمع الطبقة الوسطى.
وخلص الباحث إلى التأكيد على حجم "الكارثة" مؤكدا على أن الحلول الترقيعية لم تعد كافية لأن الإزار لم يعد فيه متسع أصلا لرقعة أخرى، وأن أسوأ الإحتمالات هو مواصلة التعاطي مع هذا الموضوع المتفجر بالطرق العشوائية وعدم الوضوح والتعامل مع المعطيات التي تخص المسألة على أنها "أسرار" لا يجب النفاذ إليها.
الأستاذ محمد الهادي حمدة: يجب الحيلولة دون العدوان على المكاسب
اعتبر الأستاذ الهادي حمدة في تعقيبه أن أزمة منظومة التقاعد ناتجة في عمقها عن خيارات اقتصادية واجتماعية فاشلة، بدأت بتطبيق برنامج "الإصلاح الهيكلي" والرهان على القطاعات التصديرية التي ترتكز في مسار التنافسية على امتيازات تفاضلية وحيدة هي رخص اليد العاملة والإعفاءات الجبائية المتعددة. لذلك يعتقد أن المدخل الأساسي للخروج من هذا المأزق إنما يكمن في الترفيع في الأجور والمداخيل و ارتفاع مستوى الاستهلاك بشكل عام من خلال إعادة الاعتبار لقطاعات الإنتاج محركا للتنمية الاقتصادية و الاجتماعية... والإنتقال بالمنظومة الاقتصادية الوطنية من استراتيجية الاعتماد على الطلب الخارجي التي تأكدت محدوديتها و ثبت عجزها في مجال رفع تحدي التشغيل و تحسين مستوى حياة التونسيين، إلى منظومة تعتمد على الطلب الداخلي. و رأى ضرورة معالجة الاختلالات الهيكلية للموازنة في مستوى النظام الضريبي و المديونية العامة للدولة. وأكد حمدة على أنه ونظرا إلى عدم قدرة القوى الوطنية على فرض اختيارات اقتصادية و اجتماعية تحقق الأهداف المذكورة فإنه ليس أمامها من سبيل إلا خوض معركة إصلاح منظومة الضمان الاجتماعي بطرق تضمن الحيلولة دون العدوان على مكاسب الأجيال المتعاقبة من النشيطين و المتقاعدين. و اعتبر أنه من الضروري الدفع إلى القيام بإصلاحات تتعلق بموارد هذه الصناديق ومصاريفها. وفي هذا الصدد أكد على ضرورة اشتراط القبول الاختياري بالترفيع في سن التقاعد للشغالين و بإقرار منحة البطالة. كما شدد على اشتراط القبول بالترفيع في مبلغ الاشتراكات بالترفيع في الأجور، داعيا إلى إقرار منحة ضريبية لصالح الصناديق الاجتماعية تعوض الكلفة التي تحملتها الصناديق الاجتماعية في تطبيق برنامج هيكلة المنشآت ذات المساهمة العمومية، وفي مساهمتها القسرية في برامج التضامن الاجتماعي مثل برامج العائلات المعوزة وغيرها من برامج اجتماعية وضعها في سياق تغذية سلوكات الزبونية السياسية والاجتماعية. كما أشار التعقيب إلى ضرورة إعادة هيكلة السياسات الائتمانية للصناديق الاجتماعية بشكل يرفع في عائدات فوائد القروض التي تسندها للمشتركين وتوسيع دائرة الإقراض ليشمل كل النشيطين، وإلى إيقاف العمل بالقروض و الهبات التي يسندها صندوق الضمان الاجتماعي للأعراف و المؤسسات بعنوان الصحة و السلامة المهنية. أما في جانب الموارد فدعا حمدة إلى استرداد الديون المتخلدة بذمة الدولة ومنها تلك التي تحملها الصندوق الوطني للتقاعد و الحيطة الاجتماعية بعنوان "تطهير" المؤسسات ذات المساهمة العمومية، وتلك التي تحملها الصندوقان في تمويل برامج التضامن الإجتماعي المختلفة، إضافة إلى مساهماتها غير المبررة في تمويل صندوق ضمان النفقة، مشيرا إلى ضرورة استرجاع مبالغ تمويل قروض الطلبة(بلغ المبلغ الجملي لقروض الطلبة 4،7 مليون دينار سنة 2008).
وخلص الهادي حمدة إلى ضرورة الترفيع في قيمة الجرايات من أجل التحسين الفعلي للقدرة الشرائية للمتقاعدين و مراجعة سياسة مساهمة الصناديق الاجتماعية في تمويل ميزانية وزارة الصحة وإلى وجوب إحداث تغير جذري على مستوى الإشراف على منظومة التقاعد وما يتصل بها من سياسات التصرف.
الدكتور عبد المجيد المسلمي: أزمة منظومة التقاعد تعكس أزمة اقتصادية أعمق
أشار الدكتور عبد المجيد المسلمي أن أزمة صناديق التقاعد لا تتمثل فقط في الثغرة المالية الكبيرة على أهميتها في هذا الظرف، بل هي تعبير عن أزمة هيكلية يعيشها الاقتصاد الوطني و التي من أهم تعبيراتها استقرار نسبة البطالة في حدود 15 بالمائة لمدة تقارب 20 سنة دون وجود مؤشرات على تقلصها في المدى القريب. مما أدى إلى ضعف المؤشر الديمغرافي بين العاملين من جهة و المتقاعدين من جهة أخرى و الذي بلغ 3 فاصل 2 بالمائة في القطاع العمومي مقابل 4 فاصل 5 بالمائة بالقطاع الخاص، رافضا بعض التفسيرات التي ترجع هذه الأزمة إلى مجرد التحولات الديمغرافية التي أصابت المجتمع، وأكّد أن ارتفاع مؤمل الحياة هو معطى حديث نسبيا في بلادنا، إذ لم يبلغ 71 سنة إلا انطلاقا من سنة 1994، وأن الادعاء بان الشعب التونسي هرم و شاخ أبعد ما يكون عن الحقيقة طالما أن الفئة العمرية لأقل من 15 سنة تمثل 30 بالمائة من السكان في حين أن نسبة الذي جاوزوا 60 سنة لا تزيد عن 10 بالمائة حاليا وهي لن تزيد عن 16 بالمائة سنة 2030.وكان من المفترض في مجتمع بهذه النسبة العالية من الشباب شاب، أن يتم الدفع بكل هذه الطاقات من أجل تحقيق نسب نمو عالية مثلما هو الشأن في الآسيوية لا أن يتأرجح النمو بالكاد بين 4 أو 5 بالمائة. و هي نسب لا تمكن حسب كل المختصين أن تمتص الطلبات الوفيرة على سوق الشغل. أما في ما يخص السن القانوني للتقاعد فاعتبر المسلمي أن التقاعد في الستين هو من أهم المكاسب التي حققتها الطبقة الشغيلة على الصعيد العالمي لذلك نشهد عبر العالم إضرابات و مظاهرات حاشدة للدفاع عن هذا الحق المشروع الذي تسعى الرأسمالية للقضاء عليه. وتساءل لماذا يُحرم العامل من حقه في التمتع بفترة تقاعد بعد السنوات الطويلة من الكد و العمل، علما بأن افتتاح الحق في التقاعد ( 15 سنة) و الحق في النسبة القصوى من منحة التقاعد ( 40 سنة) هي مدة طويلة. ورأى أن مسألة التقاعد بعد الستين يجب أن يبقى اختياريا لكي يتم الإستفادة من خبرة الكبار خاصة في ميدان التأطير و الميادين التي تتطلب الخبرة سواء بالمؤسسات العمومية أو القطاع الخاص، وحتى لا يُحرم في نفس الوقت الكثيرون الذين يفضلون الراحة والإهتمام بعوائلهم من هذا المكسب، مؤكدا أن ارتفاع الأمل في الحياة إلى 74 سنة يبقى نسبيا بعد أن أثبتت الإحصاءات الطبية أن هذا المعدل لا يبلغه الكثير ممن كانوا يمارسون أعمالا شاقة.
أما في ما يخص الحلول العاجلة، فرأى المعقب أن يتم فرض ضريبة 1 بالمائة على أصحاب الثروات الذي يتجاوز دخلهم السنوي 100 ألف دينار، على غرار ما طالب به الحزب الإشتراكي الفرنسي و النقابات العمالية بفرض ضرائب على الثروات الكبرى لتمويل صناديق التقاعد. و ذكر أن مشروع الحكومة الفرنسية أقر زيادة بنقطة على ضريبة أصحاب المداخيل الكبرى التي تتجاوز 70 ألف اورو سنويا ( كانت 40 بالمائة فأصبحت 41 بالمائة) مما سيمكن من توفير تمويل للصناديق تقدر 230مليون أورو. كما ورد في المشروع توظيفات ضريبية على رؤوس الأموال و المؤسسات ستمكن من توفير 270 الف أورو. من جهة أخرى اعتبر المسلمي أن النظم الخصوصية التي يديرها الصندوق الوطني للتقاعد و الحيطة الاجتماعية أي نظام أعضاء الحكومة و أعضاء مجلس النواب و الولاة أنظمة أنظمة سخية جدا بل و مسرفة و مبذرة. ففي حين يحتاج الموظف إلى 15 سنة ليكون له حق في التقاعد يكتفي أصحاب الأنظمة الخصوصية المذكورة بسنتين فقط. كما ان الحصول على 90 بالمائة من الأجر المرجعي يتطلب من الموظف 40 سنة عمل، يكتفي أعضاء الحكومة بسبعة سنوات و نصف و يكتفي الولاة و أعضاء البرلمان بـ15 سنة للحصول على ذلك. ودعا المسلمي في خاتمة تدخله إلى إنشاء لجنة من المختصين تحدد تعريفا دقيقا للأعمال الشاقة الذين يُمكنون من التقاعد قبل سن الستين.
/http%3A%2F%2Fcarcassonne.gauchepopulaire.fr%2Fpublic%2Fcarcassonne.gauchepopulaire.fr%2Fallongement_retraites-woerth.jpg)
نقاش سخن
ثم تناول الكلمة كل من الأستاذ الطاهر الشايب وماهر حنين وأحمد بوعزي وفرج الشباح الذين أشاروا إلى جملة من الإشكاليات أهمها ظاهرة تفاوت الأجور بين القطاعات والتي تصل إلى أرقام قياسية ففيما يتقاضى البعض منحة تقاعد لا تزيد عن 30 دينارا شهريا يتقاضى آخرون أكثر من مليونين وهذا في نظر المتدخلين مخل لأن المقاييس العالمية تقضي أن لا تتجاوز جراية التقاعد ضعفي الأجر الأدنى المضمون. وهذا التفاوت يتطلب الرفع في الأجور الدنيا لكي تتحسن القدرة الشرائية لفئات واسعة من الأجراء.النقطة الثانية التي ركز عليها المتدخلون هي ضرورة إدخال مؤشر القدرة الشرائية عند إجراء أي مقارنات مع البلدان الأخرى وخاصة منظمة التعاون والتنمية في أوروبا. ذلك أن القول بأن جرايات التقاعد القصوى التي تصل نسبتها إلى 90 بالمائة من آخر جراية، قد تعطي صورة خاطئة إذا أخذت دون احتساب القدرة الشرائية، إذ لا شك ان 60 بالمائة وهو المعدل الأكبر في البلدان المتقدمة تعطي جراية أفضل عشرات المرات من الجراية القصوى عندنا ذات نسبة التسعين بالمائة، نظرا لأن الجراية في هذه البلدان تأخذ في الاعتبار مؤشر القدرة الشرائية.
كما اعتبر بعض المتدخلين أن تفشي ظواهر اقتصادية سلبية مثل التجارة الموازية التي وصلت نسبتها إلى مستوى قياسي، والتي تتم بتواطؤ أو في أحسن الحالات صمت السلط المعنية ساهمت بشكل مباشر في القضاء على صناعات كثيرة كانت تغذي الصناديق الإجتماعية ببعض الموارد، وفي نفس الوقت فإن هذه الصناديق لا تغنم من هذا النشاط الذي يتمدد بشكل سريع أي موارد.
"الموقف" عدد 563 بتاريخ 15 أكتوبر 2010
/image%2F1013226%2F20140816%2Fob_f4e145_salouabna.jpg)